المقداد السيوري

585

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

وهذا يدلّ على أنّ الصحابة كانت تقول بما نذهب إليه من جواز العفو عن فسّاق أهل الملّة من غير توبة ، بخلاف ما ذهب إليه أصحاب الوعيد من المعتزلة والخوارج وغيرهم « 1 » . وقال المحقّق الطوسي ( ره ) : والعفو واقع ؛ لأنّه حقّه تعالى فجاز إسقاطه ، ولا ضرر عليه في تركه مع ضرر النازل به فحسن إسقاطه ، ولأنّه إحسان ، وقال في الشفاعة : والإجماع على الشفاعة أنّها واقعة لزيادة المنافع للمؤمنين المستحقّين للثواب وللمذنبين في إسقاط عقابهم . ثمّ بيّن قدّس سرّه أنّ الشفاعة بالمعنى الثاني - أعني إسقاط المضار - ثابتة للنبي صلّى اللّه عليه وآله لقوله صلّى اللّه عليه وآله : ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي « 2 » . وقال العلّامة قدّس اللّه روحه : دليل وقوع العفو قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . فإمّا أن يكون هذان الحكمان مع التوبة أو بدونها ، والأوّل باطل ؛ لأنّ الشرك يغفر مع التوبة فتعيّن الثاني . وأيضا المعصية مع التوبة يجب غفرانها وليس المراد في الآية المعصية التي يجب غفرانها ؛ لأنّ الواجب لا يعلّق بالمشيئة فما كان يحسن قوله : لِمَنْ يَشاءُ فوجب عود الآية إلى معصية لا يجب غفرانها ، وكقوله تعالى في كتابه العزيز ب إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً وأجمع المسلمون عليه ، ولا معنى له إلّا إسقاط العقاب عن العاصي . وقال ( ره ) في الشفاعة : إنّ الشفاعة للفسّاق من هذه الأمّة في إسقاط عقابهم « 3 » وقال : إنّ شفاعة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله متوقّعة ، بل واقعة بقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وصاحب الكبيرة مؤمن لتصديقه باللّه ورسوله وإقراره بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وذلك هو الإيمان ، وإذا أمر صلّى اللّه عليه وآله بالاستغفار لا يتركه لعصمته ، واستغفاره لأمّته مقبول ، تحصيلا لمرضاته تعالى ؛ لقوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى هذا مع قوله صلّى اللّه عليه وآله : « ادّخرت شفاعتي لأهل البكائر من أمّتي » .

--> ( 1 ) التبيان ، ج 1 ، ص 434 . ( 2 ) شرح التجريد ، ص 262 - 263 . ( 3 ) شرح التجريد ، للعلّامة ( ره ) ص 362 - 363 .